
- سيد نفسه من لا سيد له
- نحن أحرار بمقدار ما يكون غيرنا أحرارا
- ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
- حيث تكون الحرية يكون الوطن
- ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
- إذا تكلمت بالكلمة ملكتك وإذا لم تتكلم بها ملكتها
في برشلونة، لم يقف عرب مروان البرغوثي ليُلقي خطابًا عاطفيًا عن والده فقط، بل وقف ليكسر جدار الصمت الأوروبي، وليضع ما تبقى من ضمير عالمي في قفص الاتهام. لم يكن الخطاب رسالة شخصية، بل اتهامًا سياسيًا وأخلاقيًا مباشرًا لنظام دولي يتقن الحديث عن حقوق الإنسان، ويتقن أكثر تجاهلها حين يكون الضحية فلسطينيًا وحين يكون الجلاد هو الاحتلال.
عرب لم يحمل صورة أب فقط، بل حمل قضية قائد تحوّل إلى كابوس دائم للاحتلال، ليس لأنه يحمل سلاحًا، بل لأنه يحمل فكرة: فكرة أن فلسطين يمكن أن تتوحد، وأن المشروع الوطني يمكن أن يُعاد بناؤه على أساس الشراكة لا الإقصاء، وعلى المقاومة السياسية والشعبية لا على إدارة الهزيمة. لهذا يُعذَّب مروان، ولهذا يُعزل، ولهذا تُمارَس بحقه سياسة الإذلال البطيء، لأن الاحتلال لا يخاف من جسد أسير بقدر ما يخاف من رمز حيّ.
في برشلونة، قال عرب للأوروبيين ما لا يريد كثيرون سماعه: إن الصمت ليس حيادًا، بل شراكة. وإن الاكتفاء ببيانات القلق ليس دبلوماسية، بل غطاء سياسي للتعذيب. وإن تجاهل ما يتعرض له مروان البرغوثي، وغيره من الأسرى، هو رسالة واضحة للاحتلال بأن الكلفة صفر، وأن بإمكانه أن يكسر العظام ويكسر الإرادات دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أو أخلاقيًا.
هذا الخطاب لا يُحرج الاحتلال فقط، بل يفضح نفاق المنظومة الدولية بأكملها. يفضح أولئك الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا عن القيم، ثم يصمتون حين تتحول السجون إلى غرف تعذيب، وحين يصبح القائد الأسير مشروع تصفية بطيئة. في برشلونة، لم يكن عرب يستجدي تعاطفًا، بل كان يطالب بمحاكمة سياسية وأخلاقية لمنظومة كاملة اختارت أن ترى نصف الحقيقة، وأن تعمي عينها عن النصف الآخر.
مروان البرغوثي ليس مجرد اسم في لائحة الأسرى، بل معادلة سياسية كاملة: هو احتمال الوحدة في زمن الانقسام، وهو احتمال إعادة الاعتبار للقرار الوطني المستقل، وهو احتمال إحياء الأمل في مشروع تحرري لم يمت رغم كل محاولات دفنه. لهذا يُستهدف، ولهذا يُعذَّب، ولهذا يُراد كسره، لأن كسره رسالة لكل من يفكر أن فلسطين ما زالت قادرة على إنتاج قادة لا يُشترون ولا يُكسرون.
في برشلونة، كان صوت عرب رسالة مزدوجة: رسالة للأوروبيين بأن عليهم أن يختاروا بين مبادئهم ومصالحهم، ورسالة للفلسطينيين بأن رموزهم ما زالت تقف، حتى من خلف القضبان. كان الخطاب تذكيرًا بأن الحرية لا تُهدى، وأن العدالة لا تُستجدى، وأن الصمت لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل أصبح شكلًا من أشكال التواطؤ.
هذا ليس خطاب ابن عن أبيه. هذا خطاب شعب عن قائده. هذا ليس نداء إنساني فقط، بل إعلان سياسي بأن معركة الأسرى هي في جوهرها معركة على معنى الكرامة، وعلى حق الفلسطيني في أن يكون له قادة لا تصنعهم غرف المخابرات، ولا تُديرهم حسابات التسوية، بل تصنعهم السجون والميادين والتضحيات.
برشلونة لم تكن محطة عابرة، بل كانت جرس إنذار: أن مروان البرغوثي يُعذَّب لأن الاحتلال يعرف أن الحرية تبدأ من الرموز، وأن كسر الرموز أسهل من كسر الشعوب. لكن التاريخ يقول غير ذلك: الشعوب التي تصنع رموزها من الألم لا تُهزم، والقادة الذين يولدون في السجون لا يموتون في الزنازين، بل يتحولون إلى فكرة… والفكرة لا تُسجَن.