اقلاممحلية

مروان البرغوثي: هذا الجسد الهزيل قادر على حمل إرادة لا تُقهر

عيسى قراقع

تمكن المحامي من زيارته يوم (10/ 9/ 2026)، تحت قصف الإبادة الممنهجة والمستمرة في سجون الاحتلال الاسرائيلي، رائحة التعذيب المُميت، صراخ الجوعى والمقيدين والمعزولين في الزنازين والحفر العميقة تحت الأرض، رائحة الأجساد المتعفنة أمراضا وقهرا وإذلالا وانتقاما بلا رادع ولا قيد، رائحة الصمت والموت والجدران، واللغة الفارغة من معنى الوجود، هناك من هذا القبو البعيد السحيق، قال الأسير القائد مروان البرغوثي لمحاميه الذي بالكاد تعرف عليه بسسبب هبوط وزنه وتغير ملامحه وتساقط شعره وبروز عظامه وما تحت الجلد من أورام وتجاعيد: هذا الجسد الهزيل قادر على حمل إرادة لا تُقهَر، لا تندهش ولا تحزن، في داخلي صلابة جبال فلسطين، وشعبها العنيد.
الجسد تقلَّص إلى أدنى حد، لكنه لم يختف في العتمة، الجسد يذوب لكنه يقطع كل يوم المسافة بين الداخل والخارج، ويفكك عالم السجن ولغته الاقصائية الناشفة، في داخلي روح تسافر كل ليلة إلى غزة ورام الله، أنا لا أرى الحواجز والبوابات ولا أسمح لها أن تقترب، أرى الحياة واسعة طليقة تُذيب هذا السور الهش، وتحررني من الخوف وساعة السجن الواقفة، كل النوافذ مغلقة، وفي أنفاسي كل النوافذ مفتوحة، كل البشاعة والشناعة هنا، وفي قلبي ألف حبيبة جميلة وألف أغنية.
ما هذا الأسير الذي يملك مطرقة ثقيلة، يُقاتل في جحيم السجون والمعسكرات ولا يتعب بعد هذه السنين الطويلة؟ يَهدِمُ زمن الاستعمار ويَخلق في كل لحظة حياة جديدة، عندما منعوا التعليم بنى في السجن جامعة، وعندما رأى الانقسام وألَّف كتباً ووثيقة الوحدة الوطنية، وعندما توغل نظام صهر وعي الأسرى في العقول أعلن ثورته على نظام الطواعية، انعتق من أغلاله ومشى على قدميه واقفا، فإنسانية الإنسان غير قابلة للمصادرة، وعندما اختلف الجميع أمام صندوق الاقتراع استل قانون الانتصار بمشروع وطني وحدوي ورؤية سياسية واضحة، لا للمناكفات والشعارات والمحاصصة الضيقة، دمنا يَنزف وجثثنا تملأ الساحات، والرصاص في الجسد والهوية والذاكرة، القدس تصرخ والصلاة، الأشجار والحقول والنساء في المعتقلات، أسرى يُعدَمون وحبال مشنقة تتدلى في الأقبية، مستوطنون وتوراة خرافية تبيدنا من الدنيا والآخرة، وفاشية وسياسة محو زاحفة عنيفة لا ترانا إلا في الغبار أو في الجنازة، قل للجميع يا صديقي المحامي: أنا لا أستطيع أن أخرج من الزنزانة، ولكن يجب أن يخرج الوطن من زنزانة الانقسام، لا تجعلوا الصندوق بديلا عن الحرية، ولا تجعلوا الانتخابات طريقة جديدة إلى المقبرة.
استغرب المحامي في هذا اللقاء القصير من أن مروان البرغوثي الذي لا يملك مفتاحا لباب الزنزانة ألقى عليه مفتاحا يفتح كل الأبواب الموصدة، إنه يرى أبعد من جدرانه، استغرب من أن في صوت مروان نشيدا لم ينطفئ، وضوءا لا يخبو، فالحرية ليست دائما اتساع المكان، أحيانا تكون قدرة الانسان أن يرى أبعد من السياج الذي يمزق السماء والشمس.
هذا الجسد الهزيل قادر على حمل إرادة لا تقهر، الجسد صار نحيفا لكن الرمز تضخم إلى أبعد مدى، المسافة بين الإرادة والحرية ليست مستحيلة، لهذا دخل عليه الوزير الإسرائيلي المتطرف بن غافير مهددا مستفزا، لأنه اكتشف أن الصواريخ والقنابل التي دمرت غزة، والإبادة المتدرجة في الضفة المحتلة، لم تفعل شيئا أمام رجل معزول يملك جيوشا وقوة عظمى غير مرئية، لم ترصدها الطائرات، ولم تعطلها سياسة التجويع والتعذيب والسلخ والضرب وتحطيم الروح البشرية، هذا الرجل ما زال خطرا على أمن اسرائيل الكبرى، يقول هذا الوزير المتوتر، كلما دفناه تحت الأسمنت والحديد، يخرج مرة أخرى كشبح يلاحقنا في الشوارع وفي الرواية، في أسفارنا وجرافاتنا وجنوننا وأحلامنا، هذا الرجل أكثر من رجل، يتحول إلى مرآة تفضح هشاشتنا، وإلى ظاهرة فريدة عندما يتجمع العالم حوله وينبذنا.
لأول مرة يلتقي محامٍ مع فكرة وليس مع جسد، فكرة عابرة للحدود والفصائل والتنظيمات، يتحدث عن مشاويره الكثيرة، عن لقاءاته مع ياسر عرفات ونيلسون مانديلا وجمال عبد الناصر ومحمود درويش في القصيدة، يحمل رسائل وصورا وحكايات عن المستقبل، عن البحر والسهل والجبل، عن الصيف والشتاء ودفئ المطر، يحفظ الأسماء كلها الأحياء والأموات والأمكنة والمواليد القادمة، الجغرافيا والأزِقَّة والحارات ولا يتوه في الاتجاهات السياسية المضطربة، يجمع شرعيات تنظيمية ونضالية وشعبية بيد واحدة، ومن عند هذا الرجل صعدت وهبطت الملائكة، نبوءات وإشارات وقراءات وآفاق متعددة، هناك في هذ القاع الذي يُسمَّى سجن، حضر الغياب وصار للحرية أسطورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى