اقلام

مروان البرغوثي الذي أحبّه.

مروان البرغوثي الذي أحبّه.

كتب الروائي باسم خندقجي
عزيزي أبو القسام..
أكتب إليك من المنفى، لا لأهنئك بفوزك الكاسح في المؤتمر الثامن لحركة فتح، فأنت تعلم جيدًا أنك ستحصد غالبية الأصوات، بل أكتب إليك، وأعلم أيضًا أن رسالتي هذه لن تصلك؛ لأنك ما زلت في العزل الانفرادي، تعاني وتصمد وتواجه سياسات الإبادة الصهيونية بحقك وحق الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني.
يلوح وجهك دائمًا، وذلك التعب المشوب بالإرادة والأمل، عندما كنا نتجول معًا في باحة سجن “هداريم” الكولونيالي، بعيد انتهاء المحاضرة في حلقة التحرر المعرفي التي تشرف عليها أنت، وعندما كنا نتناقش وأستفزك، مدفوعًا أنا بنقدي الحاد حول بعض القضايا، كنت على درجة عالية من القدرة على الاحتواء والاستيعاب، لا بل كنت تشجعني أكثر على النقد، لأتعلم منك الكثير. تعلمت منك طول النفس في منعرجات والتواءات الدروب في السجن، واحترام الرأي والرأي الآخر، والقدرة على النقد واستيعابه، وكنت أردد في سرّي دومًا: لن يكسروك، ولن يقووا على التخلص منك.
يلوح وجهك الآن أمامي، وجهك المشرق بضحكة تجلجل بالأمل والحياة، وأثر طفولة ذلك الطفل الذي كنته أنت في أزقة وحواري قريتك كوبر، وقمت بتعريفي إليه عندما شرعت بكتابة سيرتك بعد أن أقنعتك أنا بضرورة كتابة تجربتك بكافة أبعادها، لتنهال على ذاكرتك إثرها، مستعيدًا منها كافة التفاصيل. كم كنت مذهلًا في تذكر كل شيء، حتى الروائح والمشاعر والطقوس وانطباعاتك البكر عما سيكون، وأحلامك العتيقة، وإدراكك المبكر لمعاني النضال والصمود والتحدي والحب أيضًا. بلى، اكتشفتُ هذا أنا عندما منحتني أنت شرف تحرير الفصول الأولى من سيرتك التي لم تر النور بعد.
عزيزي أبو القسام..
أنت في العزل الانفرادي الآن، مرهق. جائع. منهك. تتعرض للتنكيل معظم الأوقات، ولكن زنزانتك أكثر رحابة من كافة الساحات والمؤتمرات والميادين، وأعلم أنك الآن تذرعها جيئة وذهابًا، وتداعب لحيتك بأناملك، ووميض عينيك ينير الزنزانة المظلمة بالأمل ويجعلها تتلاشى، ويأخذك الأمل بعيدًا، محلقًا بك في فضاء الوطن المعذب والمنكوب والمثقل بالهموم والالتباسات والتناقضات والإبادات، لتحط في قلوب من يحبوك، لتزيل عنهم الخوف من هذا النفق المظلم الذي علقنا به. نفق الحيرة والارتباك والتردد، ولربما اليأس أيضًا، وإنه ليأس مشروع. بلى، سنيأس بكل ما أوتينا من أمل، وسنتوغل أكثر في أعماق النفق لنصل إلى فوهته التي يتسلل منها نور الأمل والتجدد وباب زنزانتك.
عزيزي..
لطالما قلت لي أنت بأنك لست مخلصًا، ولا ذلك الذي يمتلك التعاويذ السحرية لتغيير الواقع، بل كنت تقول إننا جميعًا نتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية أمام شعبنا الصامد، وكنت، وما زلت، تسعى نحو رحابة القيادة ونخبة سياسية وثقافية واسعة وقادرة على الانسجام والاختلاف والتناقض والاتفاق ورحابة الصدر، وهذا عهدك ودأبك عندما كنا معك في السجن، حين كنا نتحلق حولك من كافة مشارب وأطياف الفسيفساء الفلسطينية، لنتجاذب أطراف أفكارنا وأحلامنا واختلافاتنا دون أدنى إقصاء، وهذا أكثر ما كنت أحبه بك، محاربتك للإقصاء وخشيتك منه. كنت ألمس ذلك من خلال تعاملك معي أنا على الأقل، أنا الذي كنت وحيدًا وغريبًا ومغتربًا في السجن.
وما دمت تحارب الإقصاء، فأنت ضد العنصرية والفئوية والعصبوية والتعصب، وهكذا كنت وما زلت أنت المأسور بنا، ونحن المأسورون بحاجتنا لك، حتى وإن لم تكن مخلصًا ولا نبي غضب وسلام.
عزيزي أبو القسام..
أكتب إليك لأستعيد علاقتي الإنسانية بك، بعيدًا عن هالتك كقائد وطني كبير أو مانديلا فلسطين، فأنت ورفاقك الأسرى تسطرون الآن أقدس وأعمق ملامح الصمود والإرادة في وجه الفاشيين المستعمِرين. أكتب لصديقي وأخي وأستاذي الذي قال لي يومًا، بعد أن أثقلت عليه بالانتقاد: “لم أستوعب أحدًا كما استوعبتك أنت في حدتك النقدية”. هل تذكر هذا الموقف؟ قلت لي هذا الكلام وأنت تضحك ضحكتك الجميلة التي كنت من خلالها تحتويني وتمتص حدتي، وكم كنت أحسدك على سعة صدرك في هذا الجانب.
ها أنا أكتب إليك بعد انتهاء مؤتمر الحركة التي تحبها وتؤمن بها أنت. حسنًا، لا أريد أن أثقل عليك بنقدي، وأن أزجّك بزنازين أخرى أنت أعظم وأكبر منها، ودعني فقط الآن أكتب إليك لتتجلى أمامي هنا والآن في منفاي القسري، لأعد لك ما وعدتك به من أطعمة وحلويات نابلسية، تحديدًا الكنافة الناعمة التي تعشقها أنت، وسأعد لك أيضًا “العكوب باللبن واللحم المطبوخين”، أكلتنا النابلسية الشهيرة. هذا ما طلبته أنت مني عندما كنا معًا نتقاسم الزنزانة جائعين مرهقين بعد اندلاع حملة الإبادة الوحشية بحقنا إثر السابع من أكتوبر 2023. كنا نتخيل معًا ما الذي سنفعله من شؤون إنسانية بسيطة بعد التحرر المنشود. هكذا وعدتك ببعض الأكلات والحلويات الشهية، وأنت وعدتني بأننا سنعد لشعبنا أيضًا مستقبلًا أفضل وأجمل.

كم نحبك، طوبى لك وأنت تبتسم رغم أنوفهم جميعًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى