اقلام

من روما الى العالم……

لم تكن روما، في مساء العشرين من كانون الثاني، مسرحًا لفعالية تضامنية عادية، بل تحولت إلى محكمة ضمير مفتوحة، وفضاء مواجهة أخلاقية بين من يملك السلاح ولا يملك الحق، ومن جُرّد من الحرية وبقي مالكًا للحقيقة. هناك، في قلب أوروبا، خرج اسم مروان البرغوثي من كونه قضية أسرى، ليعود كما كان دائمًا: مشروع حرية، وعنوان شرعية وطنية، وكابوسًا دائمًا للاحتلال.

حين عُرض فيلم حرية الغد، لم يكن الحضور يشاهد معاناة الأسرى فقط، بل كان يشاهد سبب خوف الاحتلال منهم. فالأسرى ليسوا أرقامًا، ومروان البرغوثي ليس ملفًا أمنيًا. هو القائد الذي كتب من زنزانته:
«إرادة الإنسان أقوى من القيود الحديدية، وأقسى من جدران السجن، وأبقى من السجّان نفسه».
بهذه المعادلة البسيطة، قلب ميزان القوة، وجرّد السجن من وهم السيطرة.
وجود فدوى البرغوثي في القاعة لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية بحد ذاتها. هي التي حملت صوت مروان إلى العالم، لا بوصفه زوجًا غائبًا، بل بوصفه قائدًا حاضرًا في كل سؤال عن المستقبل الفلسطيني. فالرجل الذي عُزل في الزنازين، لم يُعزل عن شعبه، ولم ينقطع عن قضيته، بل ازداد وضوحًا. وكما قال هو نفسه:
«السجن ليس نهاية النضال، بل إحدى محطاته، وربما أكثرها قسوة وصدقًا».
وحين طُرح السؤال في القاعة: من هو الإرهابي؟ لم يكن سؤالًا إنشائيًا. كان سؤالًا فاضحًا لنفاق العالم. فالإرهاب ليس من يُسجن لأنه قاوم الاحتلال، بل من يشرعن الاستيطان، ويُسلّح المستوطن، ويحوّل القانون إلى أداة قمع. وقد لخص مروان هذه الحقيقة ذات يوم بقوله:
«نحن لا نعشق الموت، لكننا نرفض حياة بلا كرامة، والحرية لا تُقاس بعدد السنوات بل بقدرة الإنسان على قول لا».
ما يخيف الاحتلال في مروان البرغوثي ليس ماضيه فقط، بل مستقبله. يخشاه لأنه يمثل فلسطين التي حاولوا منع ولادتها: فلسطين الواحدة، الجامعة، التي تدمج المقاومة بالسياسة، والحقوق بالقانون الدولي، والكرامة بالعقل. لهذا قال من زنزانته، بوضوح لا يقبل التأويل:
«وحدتنا الوطنية هي سلاحنا الأقوى، وأي مشروع تحرري بلا وحدة محكوم عليه بالفشل».
أن تُرفع قضيته في روما، وبحضور دبلوماسي وشعبي إيطالي، فذلك اعتراف عالمي بأن أسره ليس شأنًا فلسطينيًا داخليًا، بل قضية عدالة دولية. فالاحتلال يستطيع أن يطيل مدة السجن، لكنه عاجز عن محاصرة الفكرة. وقد كتب مروان بوعي تاريخي عميق:
«القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع شرعية، والحق قد يتأخر، لكنه لا يسقط».
حركة فتح، التي كان لها الدور المحوري في إنجاح هذه الفعاليات، لم تستدعِ اسم مروان من باب الوفاء فقط، بل من باب الحاجة السياسية والأخلاقية. فهو أحد القلائل الذين لم تتبدل لغتهم بتبدل المراحل، ولم يساوموا على الثوابت تحت ضغط اللحظة. ولهذا قال يومًا:
«مشروعنا الوطني ليس سلطة، ولا امتيازات، بل حرية كاملة أو لا شيء».
في زمن الالتباس الفلسطيني، يصبح مروان البرغوثي ميزانًا أخلاقيًا. في زمن الانقسام، يتحول إلى نقطة إجماع مؤلمة للاحتلال. وفي زمن القهر، يغدو أسره دليل إدانة، لا علامة ضعف. فالقائد الذي بقي واقفًا في العزل الانفرادي، هو نفسه الذي كتب:
«قد ينتصر السجّان في معركة، لكنه يخسر الحرب حين يبقى الأسير حرًّا في وعيه».
لهذا، لم تكن روما تحتفي بأسير، بل كانت تُجدد العهد مع حقيقة واحدة: أن فلسطين، رغم الجراح، ما زالت تنجب قادة من طراز نادر، وأن مروان البرغوثي، أبو القسام، ليس خلف القضبان فقط، بل في قلب المعركة على المعنى، والشرعية، والمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى