عربية

مروان البرغوثي..

قائد عرفته الأجيال من خلف القضبان

عندما نقل مروان البرغوثي إلى السجن منتصف أبريل/نيسان 2002، كانت الهواتف المحمولة لا تزال في مرحلة مبكرة من الانتشار، ولم تكن المنصات الرقمية قد أصبحت جزءا من الحياة اليومية، فيما كان جيل كامل من الفلسطينيين لم يولد بعد.

بعد أكثر من عشرين عاما، تغيرت أدوات العالم من حوله، وتبدلت وجوه سياسية، وظهرت أجيال جديدة لم تعرفه قائدا ميدانيا في شوارع الضفة الغربية، بل عرفته اسما خلف القضبان.

يرى مقربون من البرغوثي أن استمرار حضوره رغم سنوات العزل الطويلة كان أحد العوامل التي جعلت اسمه يقترن بتجربة زعيم جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، الذي خرج من السجن بعد 27 عاما ليصبح أحد أبرز رموز النضال السياسي في القرن العشرين، ويتزامن ذلك مع إحياء العالم يوم نيلسون مانديلا العالمي، الذي يوافق 18 يوليو/تموز من كل عام.

أمضى مانديلا 27 عاما في السجن بين عامي 1962 و1990، قضى منها 18 عاما في سجن روبن آيلاند، حيث عاش في زنزانة صغيرة، وخضع للعمل الشاق في مقلع للحجر الجيري، وواجه قيودا مشددة على التواصل مع الخارج. وفي سنواته الأولى، كانت مراسلاته محدودة وتخضع لرقابة إدارة السجن، كما فرضت قيود صارمة على الزيارات، كانت جزءا من نظام رقابة وعزل سياسي.

في المقابل، أمضى مروان البرغوثي ثلاث سنوات في العزل الانفرادي بسجن بئر السبع بعد انتهاء التحقيق معه، قبل نقله إلى سجن هداريم الذي وصفه بأنه سجن للعزل الجماعي، حيث بقي من نهاية عام 2005 حتى عام 2022، مع نقله لفترات قصيرة إلى سجون أخرى. وخلال تلك الفترة، كان يلتقي بـ79 أسيرا فقط، وكان هو الأسير الثمانين بينهم. وبعد السابع من أكتوبر 2023، بحسب رواية مسؤول الحملة، نقل البرغوثي إلى أكثر من سجن ضمن إجراءات العزل الانفرادي.

وبينما لم ينه العزل حضور مانديلا السياسي، إذ واصلت رسائله الخروج من السجن والوصول إلى قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي وإلى الرأي العام، وحافظت على موقعه داخل الحركة المناهضة لنظام الفصل العنصري حتى إطلاق سراحه عام 1990.  وعلى المسار نفسه، خرجت رسائل مروان البرغوثي وبياناته من داخل السجون الإسرائيلية لتصل إلى الساحة الفلسطينية، وتناقلتها وسائل الإعلام، وحضرت في النقاشات السياسية والوطنية.

وفي العام 2009 قررت الأمم المتحدة تتويج مسيرة مانديلا، بإعلان 18 يوليو/تموز «اليوم العالمي لنيلسون مانديلا». في وقت كان يناضل فيه البرغوثي من زنزانته لإصلاح الشأن الفلسطيني، داعيا  كلا من حركتي فتح وحماس إلى إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية عبر رسالة جذبت الاهتمام الدولي.

مانديلا العرب

لقب «مانديلا العرب»، الذي ناله البرغوثي بعد سنين السجن، فتح باب التساؤل الممزوج بالأمل: هل تتطابق خطوات المناضل الفلسطيني مع الزعيم الإفريقي؟

يقول عبد القادر عبيد، رفيق مروان البرغوثي في الأسر لمدة أربع سنوات والمسؤول الإعلامي في الحملة الشعبية من أجل حريته لموقع قناة الغد، إن المقارنة مع نيلسون مانديلا تستند أساسا إلى سنوات السجن الطويلة التي مر بها الرجلان.

بحسب حديث مسؤول الحملة التي تنادي بالحرية لمروان البرغوثي، فإن لقب (مانديلا) الذي ارتبط بالبرغوثي لم يأت من المقارنة الإعلامية فقط، بل إن أول من تسبب في إطلاقه، وفقا لروايته، هو نيلسون مانديلا نفسه، بعدما قال إن ما واجهه البرغوثي داخل السجن يشبه ما مر به في جنوب إفريقيا.

ويعود عبيد، مؤكدا أن السياق الفلسطيني يختلف عن تجربة جنوب إفريقيا، والمقارنة لم تطرح باعتبارها تطابقا بين التجربتين، بل كان الهدف منها التعريف بقضية البرغوثي لدى الحكومات والمجتمع الدولي.

فلسطيني يركض أمام ملصق يحمل صورة الزعيم الفلسطيني والأسير البارز مروان البرغوثي في مدينة رام الله بالضفة الغربية – صورة من أ ف ب

فلسطيني يركض أمام ملصق يحمل صورة الزعيم الفلسطيني والأسير البارز مروان البرغوثي في مدينة رام الله بالضفة الغربية – صورة من أ ف ب

معاناة الزنزانة

سجل البرغوثي بعض تفاصيل معاناته مع الاحتلال في كتابه «ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي»، عائدا إلى لحظة اعتقاله في منتصف أبريل 2002: «كان المشهد الاحتفالي واضحا على ضباط ورجال الشاباك لاعتقالي، فهي لحظة كانوا يشعرون فيها بالنجاح والتفوق، وكانت تزيد من شعورهم بالغرور والغطرسة، خصوصا أنها جاءت بعد فشل أكثر من محاولة لاغتيالي باستخدام وسائل وأشكال متعددة».

يقول البرغوثي إن الضباط لم يروا في اعتقاله قنصا لشخص واحد، بل اعتقدوا أنهم وصلوا إلى ما هو أبعد من ذلك: «ظن الضباط أنهم باعتقالي قد اعتقلوا الانتفاضة».

ويروي أنه وجد أمامه عوفر ديكل، الذي كان قد أجرى معه التحقيق الأول عام 1978، لكنه عاد هذه المرة بصفته الجديدة نائب رئيس جهاز الشاباك آنذاك.

يواصل مروان البرغوثي رسم صورة جلاده قائلا: «كنت أتوقع أن يشعر عوفر بالفشل والخزي، لأن طالب المرحلة الثانوية الذي التقاه أول مرة قبل ربع قرن، لم يهدأ، ولم يرتدع، بل واصل مشواره أكثر صلابة وعنادا، لتستمر مسيرة الحرية والنضال، ما دام أمثال عوفر يمثلون الاحتلال وصلف المحتلين، موجودا على الأرض الفلسطينية».

قبل أن تنتهي المواجهة، وجّه البرغوثي إلى عوفر ديكل عبارته الأخيرة: «أفضل الموت على العيش عبدا تحت احتلالكم وبساطيركم، اعتز بالانتفاضة العظيمة التي لن تتوقف إلا برفع رايات النصر في مدينة القدس عاصمة فلسطين».

القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي - أ بالقيادي الفلسطيني مروان البرغوثي – أ ب

نضال من السجن

حين سألناه عن السبب الذي أبقى اسم مروان البرغوثي حاضرا رغم تغير الزمن من حوله، قال عبد القادر عبيد، الذي رافقه أربع سنوات في الأسر للغد، إن البداية كانت من الحملة الشعبية لحرية مروان البرغوثي التي انطلقت منذ يوم اعتقاله.

يقول إن الحملة خرجت من رام الله إلى دول مختلفة حول العالم، وحافظت على صورة البرغوثي السياسية ومكانته ودوره، واستمرت في التواصل مع أجيال متعاقبة.

يرى عبيد أن حضور البرغوثي لم يرتبط فقط بالحملة، بل أيضا بالمبادئ التي حافظ عليها وتميز بها عن غيره من القادة الفلسطينيين، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام.

يتوقف عبيد عند وثيقة الأسرى للوفاق الوطني التي بادر البرغوثي إلى صياغتها داخل السجن، والتي تحولت لاحقا إلى مرجعية لاتفاقات المصالحة الفلسطينية. يقول إن الوثيقة التي أُنجزت عام 2006 حظيت بإجماع فصائل العمل الوطني والإسلامي، ووقعت عليها مختلف الفصائل، وشكلت أساسا لتشكيل أول حكومة وحدة وطنية.

وحافظ البرغوثي على حضوره السياسي من داخل السجن، حيث قاد قضايا عدة، من بينها قانون سلم رواتب الأسرى والشهداء عام 2011، والضغط لإعادة بناء المنازل التي دمرت خلال الانتفاضة، إضافة إلى إضراب الحرية والكرامة عام 2017 الذي قاده داخل السجن.

لم تدفع سنوات العزل الطويلة البرغوثي إلى الانكفاء على وضعه الشخصي، بل جعلته يحول وجوده داخل السجن إلى مساحة للعمل مع الأسرى، خصوصا في مجال التعليم. بل كان يعتبر أن الأسرى الذين حرموا من التعليم بسبب سنوات الاعتقال يجب أن يحصلوا على فرصة لاكتساب معرفة تحررية ونقدية حقيقية، ولذلك ساهم في تعليم أكثر من 400 أسيرا بين مرحلتي البكالوريوس والماجستير حتى السابع من أكتوبر.

المصدر: الغد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى